الموقع الرسمي للدكتور أحمد بن صالح الزهرانى

الحالة الوطنية في المملكة السعودية

حمّل المقال من (هنا)

كل من يراقب الحالة الشعبية في السعودية وظهور حالة الانتماء الوطني التي أصبحت ملحوظة وبشكل مبالغ فيه في بعض المواضيع يصيبه العجب وتنتابه الحيرة خاصة أولئك الذين عاصروا وعاشوا في عقود مضت، أو الذين يعاصرون هذه الحالة من خارج البلاد ويرون ردة الفعل الشعبية ضد أي نقد ولو كان موضوعيا تجاه المملكة وقادتها أو أيا من شؤونها.

الأمر ليس سهلاً وساذجاً واعتباطياً، بل هو صادم حقا من جهتين ، من جهة القوة والدافعية التي تحرّكه، ومن جهة مناقضته للحالة السابقة مناقضة تامّة، كما تناقض الحياة الموت وكما يناقض الحركة السّكون .

ولهذا تفسير يجب أن نقف عليه ونتيجة يجب أن نقيّمها ، ولمزيد من الفهم لسبب هذه الحالة لابد أن نعود إلى بدايات الحراك الدعوي في المملكة منذ أوليات القرن الماضي ، فقد كانت الحالة الدينية في المملكة هادئة ساكنة إلا من دروس ومواعظ العلماء الكبار في مساجدهم .

لم يكن في المملكة تنوّع فكري كما يقال، بل كانت بيئة ساذجة بسيطة غير معقدة، لم تتعرض للعصف الفكري الذي تعرضت له الشعوب في دول أخرى مجاورة لنا كمصر والشام والمغرب العربي والعراق وغيرها، وهذا يعني أنّها بيئة خصبة جداً لاستزراع الفكر الأيدولوجي أيا كان مضمونه أو توجّهه.

فخارج مجالس العلم الصغيرة المنغلقة على نفسها والتي لا تشارك من خارجها إلا حين يكون هناك طلب لفتوى أو مشاركة اجتماعية أو قضائية. كانت الساحة مهيئة والفرصة سانحة لمن أراد، وبالفعل ، نشأ وفي وقت مبكر أفكار يسارية شيوعية انضم لها وانتسب عدد كبير من جيل تلك المرحلة، خاصة أولئك الذين اتصلوا بطريقة أو أخرى بالخارج سواء عبر الرحلات أو عبر وسائل الإعلام والكتاب على بساطتها تلك الأيام . 

وعلى الرغم أن الشيوعية واليسارية تتناقض بشكل حاد جدا مع طبيعة التدين في نجد والقصيم والحجاز لكن صدّق أولا تصدق أنّها وجدت قبولا في عقول بعض أبناء ذلك الجيل . في غفلة وعدم دراية من الآباء والمعلمين الذين كان غاية ما يرون من مظاهر البعد عن الدين هو شرب الدخان أو استماع الموسيقى .

ثم تأسست جماعات الدعوة الإسلامية كالإخوان في مصر وغيرها فيها وفي الشام وذلك عقب سقوط الدولة العثمانية ووجود الاستعمار في بعض البلاد المسلمة وكان تأسيسها يومها تحت شعار استعادة الخلافة الإسلامية التي مثلها في تصورهم الدولة العثمانية.

وبدعم غربي خفي ومكر كبير توسعت أنشطة هذه الجماعات وبدأت بغزو الدول الأخرى، وكان من أهم الساحات التي قصدوها أرض هذه البلاد التي كانت مغنما كبيراً طمحوا إليه بشدّة، لسببين: أما الأول: فهو ما أشرنا إليه من خلو الذهنية العربية السعودية من الأفكار والأيدلوجيات السابقة التي يُخشى أن تكون منافرة لهذا الوافد الجديد .

والسبب الآخر: أن طبيعة الناس في السعودية طبيعة تميل إلى التديّن بشكل حقيقي، خاصة في نجد والقصيم وهما مركز الثقل الديني ، وهذا يعني اختصار الوقت والجهد في تطويع الناس للفكر الجديد وسهولة انتسابهم إليه .

وأنت ترى أن اليسارية والعلمانية والحداثة والشيوعية كلها مجتمعة كانت تحارب في الساحة وكادت تسيطر في زمنٍ مّا على مراكز الثقافة في الجامعات، وبدا تيار متشبع بتلك الأفكار وجيل مستعد لتقبلها ينشا ويمد جذوره في الأرض. 

ولما جاء رؤوس جماعة الإخوان أول مرة في عهد الملك عبدالعزيز وطلبوا أن يكون لهم مكتب رسمي في المملكة، رُفض هذ من قبل الملك الرّشيد رحمه الله، ولكنهم لم ييأسوا، بل تسللوا من خلال المجلات والكتب، حتى جاء عهد الملك فيصل وحدث الصدام مع عبدالناصر وفرّ الإخوان وغيرهم من جحيم اليساري البعثي عبدالناصر إلى الإسلامي فيصل بن عبدالعزيز، في وقت كانت النهضة التعليمية في المملكة في شدّة انبعاثها، فملأ الإخوان السهل والجبل، وتسللوا إلى كلّ منصب أو ثغر استطاعوا ، بل أُسّست جمعيات وجامعات هدفها مضادّة الفكر الناصري الذي بدأ يظهر على السطح في حقبة سابقة في صفحات الجرائد والمجلات والمذياع والتلفاز، وإن كان بشكل حذر خشية سطوة العلماء والمؤسسة الدينية .

هذا التيار الإسلامي التنظيمي الذي اكتسب دعماً من المؤسسة الدينية لأنّه قدّم نفسه منافحاً عن الإسلام والسنة وتم الدفاع عنه في كلّ محفل حتى من علماء كبار لهم مكانتهم عند وليّ الأمر ، ثم في وقت لاحق جاء جيل من عمق البيئة السعودية نفسها يلبس البشت والشماغ معتقداً نفس العقائد التي يتبناها المشايخ الكبار ويدرّس نفس المتون التي يدرّسونها فزادت الرقعة اتساعاً وانتشر نتاج هذا الجيل في كل مكان، ووصل إلى القرى البعيدة بعد أن ملأ المدن الكبيرة، كلّ هذا في غفلة عن حقيقة ما يبطنه الكبار الذين يوجّهونه .

أقول : إن هذا التيار الديني وذلك التيار اللاديني -بكل ألوانه وأطيافه- رغم تناقض أتباعهما إلا أنّهم يجمعهم فكرة واحدة يتفقان عليها ويجمع كل من ينتمي إليهم على خطورتها وضرورة تدميرها وحرقها في نفوس السعوديين، لأنّ تأثيرها يحدّ وقد يمنع استمرارية الاتجاهات الأيدولوجية المتناقضة.

هذه الفكرة هي فكرة الوطنيّة،  فالاشتراكية والماركسية وكل التيارات الفكرية التي تتسامق معها كما نعلم كانت لها دولة راعية لها وتحتها كذلك دول أصغر فرعية ترعى أفراد هذا الفكر وتدعمهم مالياً وسياسياً، ولابدّ لهم من الولاء لها ولأيّ دولة أو حزب يحمل نفس الأفكار .

وكذلك التنظيمات الإسلامية من إخوان وغيرها لا يمكن أن يتم لهم مرادهم من السيطرة على الأفراد إلا بقطع الصلة بينهم وبين الأنظمة والأسر الحاكمة لبلدانهم .

كان من السهل على الماركسيين أن يقنعوا أفرادهم من السعوديين بفكرة الولاء للخارج لأنّ من قطع صلته بالله ودينه سهُل أن يفعل ذلك مع ولاة أمره ودولته التي ينتمي إليها.

لكن كان من الصعب على الفرد المنتمي للتنظيم الإسلامي القناعة بفكرة القطيعة مع دولتهم وحكامهم، إذ كيف يشرحون له ضرورة ذلك مع أنّ ظاهر تلك الجماعات إقامة الدين ونشر الدعوة؟

ومن هنا نشأت فكرة شيطنة الوطن والوطنية ، وأنها فكرة علمانية ماسونية، وأنّ الأمة واحدة، وأن الولاء لله ورسوله ودينه وأنّ الأخوّة أخوّة الإيمان، واستُكْتِب بعض العلماء الكبار حتى قيل إنّ الوطن وثنٌ يُعبد من دون الله، وأنّ الوطنية كفر بالله ودينه .

كان هذا مرحلة أوّليّة للجمهور العريض، لكن بقي أفراد يحتاجون إلى جرعة زائدة لتحقيق هذه القطيعة ، فتم إبراز فكرة الحكم بغير ما أنزل الله، وبناء عليه قُطعت الصّلة مع عامّة الدول التي تحكم بالقانون الوضعي ، ومع ذلك مازالت المملكة حالةً خاصة تحتاج إلى مزيد من الضغط العاطفي والفكري، فجاءت حرب أفغانستان ومن قبلها أيّ حدث يتعرض فيه المسلمون جماعات أو افراد للظلم في أي بلد لتتم المناداة بالأخوّة الإسلامية ومن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم ، وأنّ الانتماء للأوطان فكرة سخيفة تدلّ على نقص الدين أو نقص العقل ، وبدأت فكرة الوطنية تنتقل إلى حيّز أضيق من الاحتقار والتسفيه، وهذا كلّه عشناه ومُورس علينا ، ففكرة الاهتمام بالمسلمين أصبحت مترجمة إلى إهمال الأهل والولد والوطن ، وفكرة أخوّة الدين أصبحت مترجمة إلى القطيعة مع الأهل والعشيرة والوطن.

عشنا ردحاً من الزمن يستحي السعودي أن يباهي أو على الأقل يدافع عن السعودية كوطن أو عن ولاة أمره ، رغم أني شهدت بنفسي زملاء من كل الدول ما إن تنتقد وضعاً فيه بلادهم إلا وانتفضوا مدافعين ومسوّغين ومعتذرين .

كان السعودي وحْده (*) من يجب أن يتحمل هذه الأخوّة فيضحّي من أجلها بماله ونفسه وأهله ووطنه . 

رأينا بأمّ أعيننا من يفضّل أيّ جنسية أخرى غير ابن بلده يقدّمهم في كل شيء حتى بالتبرع، يقدمون المال والتبرعات لعامل الشارع الآسيوي لكنه لا يمدّ يده ابداً لابن بلده إلاّ قليلاً، لأنه يريد أن يظهر أخوّة الدين أما أخوّة الوطن فهي عنده إما كفر أو على الأقلّ في غيهب النسيان . 

وهذا الذي وقع من كثير من الناس نتيجة طبيعية لعشرات السنين من التربية في مناهج التعليم عن أخوّة الدين وجعلها مناقضة لأخوّة الوطن ولا تجامعها في قلب مسلم .

كان السعودي مأموراً على لسان رموز الإخوان والسرورية أن يتخلّى عن كل شيء لصالح أخوّة الدين التي اكتشفنا فيما بعد أنّها أخوّة الحزب والجماعة والمال والنساء والتسلّط .

وكان من السّهل على رموز هذا الفكر غسل أدمغة الجيل لأنّ العاطفة الدينية التي هيّجوها في نفوسهم كانت عاطفةً عمياء لا بصيرة لها ولا عقل، فسهل عليهم شيطنة الوطن وشيطنة كل من يهمه أمر الوطن وتكفيره واستباحة دمه وعرضه وماله .

في خضم تلك الحقبة التي تحدثنا عنها عاشت جماهير كبيرة أيضا ليست متدينة وإنما تعيش دينها الاجتماعي في مستواه الشعبي، ليست مؤدلجة ولا لها تطلعات حزبية لكنها عاشت مع حيرة الانتماء ، محبة الوطن والولاء له ولمن يقوده مع فتاوى ومقالات تجرّم هذا الانتماء والولاء وتجعل من يصرح به مكبوتاً في كل المجالس ومشاراً إليه بالجهل بالدين .

بَنَت تلك الجماعة مشروعها العابر للحدود على أهداف بعيدة المدى صبرت عليها سنوات طويلة وكان لديها من المخزون البشري المتعاطف فضلاً عن المنتسب ما حقّق لها القدرة فيما بعد على قلب الأوضاع في عدد من الدول فيما سُمّي بالربيع العربي ، وتطلّعت نفوسهم واشرأبت أعناقهم إلى المملكة السعودية التي كانت بفضل الله الرصيف الذي كسر أمواجهم وشتت شملهم .

ولعلّ في ذلك من الخير لنا ولكافّة الدول العربية التي لولا الله لكانت هذه الجماعات التي طوّعها الغرب وجعل منها أداة للاستيلاء على ثرواتها وهدمها على رؤرس من فيها حاكمة في عامة بلاد المسلمين.

نعود الآن لتفسير الظاهرة التي أشرنا إليها، وسببها ، نعم أظنك عرفت ما أعنيه، هو ذلك الكبت الذي مرّ عليه عقود شبّ عليه فيها الصغير وهرم الكبير، الكبت الذي مارسته الجماعات العابرة للحدود حتى يتمّ لها ما أرادته من تسخير الجموع في تنفيذ مشاريعها التسلطية التي تتعاون فيها مع دول الغرب أو الشرق .

في عاصفة ما سُمّي بالربيع العربي أفقنا من غفلتنا على كابوس وكارثة تجتاح العالم العربي، رأينا بأم أعيننا الجموع تُساق بغير وعي في حراك نتيجته الطبيعية هدم الدول والكيانات ، كثيرٌ من هؤلاء لم يكن يهمّه فكرة الوطن ، تَمّ سحقها في نفسه من قِبَل التيارات اليسارية والغربية الليبرالية وغيرها تحت شعار الحقوق والكرامة والحريات المدنية، ومن قِبَل التيارات الدينية تحت شعار الأمة الواحدة .

رأينا ما حلّ بالدول التي استسلمت لهذا الحراك وكيف أصبحت ثرواتها منهوبة ومستقبل أبنائها مرهون بجماعات وتيارات مرتبطة بالخارج .

وبطبيعة الحال هبّ من داخل المملكة أفراد وجماعات كانت فاعلة في تلك التحركات دعماً للدول التي تحرّكت فيها الفوضى وتمهيداً لنقل التجربة إلى الداخل ، ثم حدثت نكستها بفضل الله ثم بفضل الحنكة والسياسة التي متع بها قادة هذه البلاد .

ومنذ ذلك الحين اتخذت الدول إجراءات علاجية أرى أنّ المملكة كانت التجربة الأكثر وضوحاً ونجاحاً ساعدها على ذلك عوامل اقتصادية واجتماعية ليس هذا محل شرحها .

وكان مجيء الملك سلمان ووليّ عهده الأمير محمد طوق النجاة الذي أنقذ الله به هذه البلاد   من الانجراف ، وكان من أهمّ ما تم في نظري هو إعادة حبل الوصل الذي قطعته الأيدولوجيا بين الوطن بمفهومه السياسي والاجتماعي والعاطفي وبين الفرد السعودي، إجراءات كثيرة تمت في خضم رؤية المملكة 2030 كانت هذه سمتها البارزة، وساعد في ذلك ما لمسه المواطن من تغيرات في طبيعة نمط الحكم وتطبيق القانون وحوكمة وهيكلة الاقتصاد والكيانات العاملة في الدولة، أشياء كثيرة جعلت إحساس المواطن بوطنيّته كبيراً وفخماً وعظيماً .

التجربة السعودية الحالية فريدة ، دعني أعطيك مثالاً، في عمري كلّه لم أتوقف يوماً عند أيّ تشكيل وزاريّ، كان الوزراء يأتون ويذهبون وبعضهم لا يذهب إلاّ بالموت ، ولكنّي لم أكن أعلم عن أحدهم شيئا، ولا أعلم كيف ولا أين يدير وزارته. في الحقيقة هذا كان يمثل عامل انفصال بين الجمهور وبين الطبقة التي تحكم .

في العهد الجديد يعرف الصغار قبل الكبار أسماء الوزراء ، بل ويعرف كيف يديرون وزاراتهم، وأصبحنا نعرف ما يدور بينهم وبين القيادة، خرج كلّ وزير في لقاءات متلفزة مطوّلة يتحدثون عن تفاصيل يسمعها المواطن لأوّل مرة، عن مشاكل وعقبات كيف تم تجاوزها، عن مشاريع وإنجازات كيف تم تحقيقها، كل ذلك بشفافية ومصداقية تؤكدها معطيات الواقع .

في العهود السابقة كنا نسمع سبّ المملكة وشتمها وانتقاصها في كل مكان ، وكان المواطن يسمع هذا أحياناً فلا يجد ما يرد به على القائل لأنه صدقاً لا يعرف إن كان حقيقة أو كذباً.

كان اسم المملكة يتردد في المحافل الدولية مقترناً بالإرهاب ومنع الحقوق والعدوان والتخلف الحضاري .

في العهد الجديد أصبح اسم المملكة يتردّد صداه في كل مكان مقترناً بالتطور والتقدم والتميز حتى على دول غربية تُسمى العالم الأول .

أصبح قرار المملكة في أيّ شأن سياسي أو اقتصادي أو حتى رياضي مؤثراً على العالم كله ، أصبح اسمها معلوماً وموقعها معروفاً للناس في القارات الخمس بفضل سياسة الانفتاح والتوسع التي رسمتها الرؤية .

في العقود الماضية كان الاحتفال باليوم الوطني مناسبة سنوية لموجة التحقير والسخرية بالوطن ومنجزاته وفضله .. كانت عبارة "ماذا قدّم لك الوطن" عبارة تتكرر وتبرز في وجه المحتفِل ، لم يكن الخطاب شرعياً بمعنى "حكم الاحتفال ؟" بل كان الخطاب تحقيرياً وغَمْطا للوطن وبخساً لولاة الأمور فضلهم لتكريس حالة القطيعة بين المواطن والوطن الذي قدم له كل شيء.

في العهد الجديد تعمل الآلة الإعلامية والأقلام الواعية لإعادة الصورة الحقيقية للوطن في نفس المواطن ومسح الغبار الذي تراكم على تلك الصورة فأخفت معالمه وشوّهتها وهبطت بقيمتها في نفوس الناس، على الأقل من باب معرفة فضل الفضلاء لشكرهم والاعتراف بفضلهم وهذا بحدّ ذاته دين ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله.

كل هذا الزخم أعاد الوطن والانتماء للوطن إلى موقعه الطبيعي في ذهن الجيل الجديد وبقايا الجيل القديم ، إلاّ شراذم مِن عُمْيِ البصائر ما زالت أعينهم لا تطيق رؤية شمس الحقيقة.

والمقارنة بين الحالة القديمة والحالة الجديدة تفسّر هذا التحفّز وتلك الدافعية المفعمة والجارفة لدى السعوديين خاصة جيل الشباب الصغار للدفاع عن بلادهم وقادتهم مهما قيل ومهما ادّعى المدّعون أو مهما كان العتب في بعض الأحيان على قرارات أو تصرّفات لا يرضونها إلاّ أنّ قيمةً واحدة انضمت إلى القيم الأخرى في تشكيل خطوط السعوديين الحمراء : الدين، الملك، الوطن .

لن يستمع لك السعودي جرحاً أو قدحاً أو تطاولاً بل ولا مساساً بوطنه أو قيادته، لقد أدرك السعوديون أنّهم عزيزون، أقوياء، عظماء، مميزون، محسودون، مغبوطون، ما داموا واصلين لوطنهم وممسكين بيد قيادتهم وجماعتهم، يد الله معهم .

وأنهم مهما تخلّوا عن هذا الانتماء فإنّ مصيرهم التمزيق والتشريد والذّلة والمهانة ، ووالله لن يقف معهم أحد ولن يمدّ لهم يده أحد حتى أولئك الذين مدّوا لهم يدهم وبذلوا لهم أرواحهم وأموالهم بدافع الأخوّة الدينية ثم شاهدوا بأم أعينهم الحقد والشماتة والحسد في كل مرة تتعرض له المملكة لعدوان أو هزة .

لا تتعجبوا من اندفاع السعودي في الدفاع عن وطنه بلسانه وقلمه ويده وسنانه، لأنّه أخيراً عرف مكر أولئك وعرف خُبْثهم وعرف أنّهم يقطعون ما أمر الله به أن يُوصل، وأنّ أيّ قدح أو هجوم على بلاده  وولاة أمره هو هجومٌ عليه شخصيا .

وأصبح السعوديون يقولون لهم : بالله عليكم لا تثيروا ضحكنا عندما يقول أحدكم "أنا لا أتحدث عن الشعب السعودي وإنما عن حكام المملكة" فهذه العبارة التي طالما لعبتم بها على مشاعر الشعوب وشكّلت باباً تنفذون منه إلى العبث والإفساد والتحريش لم تعد تمرّ علينا ، فالسعودي هذه المرحلة لا يجد ولا يرى ولا يحسّ بفرق بين ذاته وبين أيّ مسؤول في الدولة فضلاً عن قيادته العليا وولاة أمره ، فالقدح والعداء لهم هو عداء سافر ومكشوف لكل سعودي بحق أو بباطل.

كل مشاعر الخجل والانزواء التي كانت تصيب بعض السعوديين حين التحدث عن بلادهم وقادتهم انقلبت الآن إلى مشاعر فخر واعتزاز في كل محفل ديني أو دنيوي .

أصبح الانتماء للسعودية مغنماً لكل شخص على وجه الأرض مما يرى من كرامة السعودي وقوته واعتزازه بنفسه وبلاده .

ولهذا فعلى كلّ من يحاول الكلام في شأن سعوديّ بدءا من ولاة الأمر وانتهاء بأبسط من يعيش على هذه الأرض بل حتى الشجر والحجر والحيوان؛ عليه أن يفكّر ألف مرّة وأن يحسب حساب كل كلمة ينبس بها لأنّ الجماهيرية الطاغية من السعوديين ومن شعوب كثيرة تحبّهم وتتعاطف معهم لن ترحمهم.

لم يعد السّفيه ولا قليل الأدب يستغلّ أدب السعوديين وتربيتهم بالطعن فيهم مرتكزا على أنّ السعوديين شعب مؤدب وخلوق ومتسامح، ذلك الزمن ولّى ، وأصبح لسان حالهم :

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

 من يحترم السعودية سيجد من السعوديين كل الاحترام، ومن يتطاول أو يعتدي سيجد رداً مضاعفا تأديبا له وردعا لغيره .

أخيرا : وقد عرفنا تفسير الحالة ونتيجتها هل يمكن أن نقول إنّ هذه حالة إيجابية أو سلبية ؟

الحقيقة أنّ مثل هذه الظواهر لا تتأثر بالتقييم لأنها حالة انفعالية لها أسبابها وكثير منها ردّات فعل تساوي قوة السبب الذي حرّكها، ولهذا يصبح الحكم عليها سلباً أو إيجابا غير ذي جدوى .

وهذه الحالة ليست فردية أو راجعة إلى جماعة محدّدة النمط يمكن توصيفها ومن ثم توجيهها، بل هي حالة جمهور مختلف الطبقة والتعليم والفكر والتوجه لكنه يتفق في الفكرة ويتبناها لسبب أو آخر .

ولهذا لا ينبغي مهاجمة الحالة كون بعض مخرجاتها يكون مبالغاً فيه وخارجاً عن حدود الشرع أو الأدب والأخلاق، بل وحتى القانون . فالحالة نفسها استجابة طبيعية كما قلنا .

وما يصدر من خطأ يوصف مجرداً عنها . حتى لا نؤثر على الإيجابية التي فيها، ولهذا شواهد حتى من تصرفات الشريعة.

على العقلاء وذوي الرأي تشجيع العاطفة بإيجابية وعدم مواجهة الحالة بالإنكار أو التسخيف لأنّها لا عقل لها أصلاً ، مع التوجيه غير المباشر تصحيحاً للخطأ إن حصل من أفراد أو قطاعات داخل الحالة.

وقد رأينا بعض الأحداث التي أدّى فيها الإنكار على الحالة كلّها إلى مزيدٍ من الإصرار والعناد .

وهذه القمّة والصعود في رأيي مؤقتة سببها القاع الذي عاشه الجيل في عقود مضت من الإنكار والكبت في الانتماء ، وبعد فترة سيعود الوضع طبيعياً بإذن الله وسيكون تحقيق الانتماء لهذا الوطن بالعمل واكتساب المعرفة وتحقيق المنجزات التي حدّدتها الرؤية فهذا هو الانتماء النافع والمفيد في جوهره، وهو المرجو من الجميع، والسلام .


(*) شاركنا في هذه الخليجيون وإن كان بنسبة اقل قليلا.

Powered by Froala Editor