كتاب

السلام عليك أيّها النّبيّ

كتابأحمد الزهراني1444

نسخة الكتاب

282 صفحة

متاح للقراءة على الموقع فقط.

عاشت البشرية قبل مجيء النّبيّ صلى الله عليه وسلّم مرحلة فترة من الرّسل، وقد بُدّل دين الله قبل ذلك بزمن طويل فعُبدت الأوثان والأصنام وسيطرت الخرافة على العقول والأنفس، وسادت الأعراف والعادات الجاهلية التي كان يفاخر بها الإنسان أحيانا تحت مسميات خلقية، ولم يبق من الحنيفية وعلى الحنيفيّة إلاّ القليل، وأتباع الأديان كاليهود والنصارى غارقون في الوثنية حتى آذانهم واختلفوا مع المشركين في المعبود من دون الله واتفقوا معهم على أصل الشرك بالله ونسيان العهود الرسالية التي أخذها الله عليهم من حفظ الكتاب وتبيينه للناس، فبدلوا كتب الله وحرفوها ولم يبق على العهد الأول إلاّ نفر يسير في أقطار شتّى.

كانت حالة الأرض أشبه ما يكون بمنطقة تراكمت عليها النفايات والخرابات أزمنة طويلة متتابعة حتّى غطّت على من تحتها ضوء الشمس بطبقات عديدة.. فالفساد ضارب بأطنابه في كل صعيد وبكل أجناسه وأنواعه.

لقد كانت تلك الفترة السابقة للنبوة المحمدية حقيقة بوصف الجاهلية كما سماها القرآن، جاهلية في كلّ شيء: جاهلية في الفكر وجاهلية في العبادة والتوحيد، وجاهلية في الاجتماع والاقتصاد والأخلاق والسلوك، أينما توجهت وجدت الظلم والشرك والخرافة والبغي والجهل.

كانت الأرض بحاجة إلى شيء غير اعتيادي.. بحاجة إلى هزّة قوية.. بركان ثائر ينفض عن الأرض ركام الجهل والتخلف وتراكمات أجيال متتابعة من البعد عن الحق واستنبات الباطل الذي كانت جذوره عميقة جدا في حياة الناس أفرادا وجماعات.. حتّى استحقوا ما جاء عنه صلى الله عليه وسلّم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب».

ولهذا كان من الحقيقي جدا والجاد جدا البدء في النظر للبعثة المحمدية والسيرة النبوية قبل ذلك بكثير، إذ الناظر والمتأمل يجد أنّ التاريخ بدأ يتهيأ لهذا الحدث الكوني قبله بزمن طويل.. بل لا أبالغ إن قلت إنّ الله بعلمه الغيب وحكمته قد هيّأ الأمر من أزمنة سحيقة، فقد سُئل النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: متى كنتَ نبياً ؟ فقال: «وآدم بين الروح والجسد».