الموقع الرسمي للدكتور أحمد بن صالح الزهرانى

لماذا العفو ؟


صح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة ‌القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم ‌إنك ‌عفو، ‌تحب ‌العفو، فاعف عني».

هذا حديث عظيم يتردد معنا كل عام ، وكثير ن الناس يخطئ الفهم، فيظن أن عائشة سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلّم عن عمل واحد تعمله في ليلتها ، وهذا خطأ ، فهي إنّما سألته صلى الله عليه وسلّم عن شيء تقوله يكون أرجى ما يكون قبولا وأولى ما يُطلب من الله في ساعة إجابة ورحمة ، فدلّها على هذا الدعاء العظيم .

وهو صلى الله عليه وسلّم كان يحيي العشر ويوقظ أهله لقيام العشر بكل عبادات القيام من صلاة وقراءة وذكر ودعاء واستغفار ، ودلّ عائشة على هذا الدعاء مما يستحب الإلحاح بها ليلتها .

قال الشيخ ابن عثيمين : الدعاء المذكور هو أفضل مسؤول من الله تعالى، فعفو الله عن عباده معناه الصفح عن الذنوب، ومحو السيئات، وترك المجازاة عن الهفوات الكبيرة والصغيرة، وليس بعد هذا إلَاّ الرضا عن المعفو عنه، وإحلاله دار كرامته، وهذا هو غاية المطلوب.

لكن : لسائل أن يسأل : لم كان سؤال العفو أهم المطالب ؟

قلت وبالله التوفيق : 

لأمرين : أوّلهما ما قاله بعض العلماء : «إنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر».

كان مطرف يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا.

فمن عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.

وقال بعضهم :«إيماء إلى أن أهم المطالب، انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب، وطهارته من دنس العيوب».

والآخر :

أنّ الله تعالى أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وأرحم الراحمين، هو المتفضّل على عباده بالنعم ابتداء، وبالهداية ابتداء، فلا يصلي مصل إلا بإذنه وإعانته وتوفيقه وهدايته، ولا يصوم إلا به، ولا يتصدق إلا به، ولا يدعو إلاّ به .

والله سبحانه كما قال عن نفسه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] .

والمؤمنون في رمضان يتنافسون في العمل الصالح، كل منهم يرفع إلى الله رغباته من حاجات الدنيا والآخرة ، فهل يُظنّ بالكريم الذي ابتدأ المؤمنين بالهداية والإنعام أن يردّ أعمالهم أو أن لا يسمع دعاءهم ؟

إذن من أين يُأتى المؤمن ؟

من ذنبه ، وتقصيره، ظلمه لنفسه أو لغيره ..

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ﴾ [الذاريات: 22] ..

هدايتكم وتوفيقكم وأرزاقكم كلها في السماء .. ما الّذي يمنعها ؟ ذنوبكم وظلمكم ..

فليس بيننا وبين ما قدر الله لنا من أنواع الرزق إلا هذه الذنوب ..التي حجبتها عنّا ..

فإذا عفا الكريم عنها فلا تسل عن الخير والجود والرحمة والرزق والهداية والتوفيق والإعانة على أنواع المطالب الدنيوية والأخروية ..

ولذلك – والله أعلم – دلّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم عائشة على طلب العفو ..

كأنه يقول : إنّ ما عند الله لا يتطلب أن تكون نبيا ولا وليا ولا أن تعمل الليل والنهار .. 

إنما يتطلب أن يعفو عنك .. فإذا عفا عنك انهمرت عليك بركاته وخيراته .. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96] .

إذا عفا عنك قبل منك القليل وأثابك الكثير ..

وإذا عفا عنك أطلق لك ما حبسته ذنوبك من الأرزاق والهدايات والرضا ..

فاللهم إنّا نتوب إليك فاعف عنّا وأطلق لنا ما حبسته ذنوبنا وتقصيرنا وظلمنا وإجرامنا ..اللهم آمين.



Powered by Froala Editor