
ربما يصدم المرء إذا قيل إنّ الوطن قبل الدّين في بعض الأحيان، وهذا بسبب تصور قائم في الذهن يفترض التضاد بين الفكرتين أو المبدأين .. ولو تأمّل عرف غلط هذا التصور، فهذا التقديم ليس ترتيباً حسب الأهمية ، وإنما حسب الاشتراط الوجودي أو التكويني ، فعندما نقول :"الطهارة قبل الصلاة" ليس لأن الطهارة أهم من الصلاة بل لأنّها شرط صحتها ..
بطبيعة الحال أردت بهذا العنوان إعادة مفهوم "الوطن" الذي يعيش فيه المسلم إلى دائرة الاهتمام في برنامج الداعية و العالم بل وكل مسلم، وإلاّ ففي الأمر تفصيلات كثيرة وصور عديدة، فمراتب الدين ليست واحدة، والأوطان كذلك ليست واحدة، والعامل الزماني والمكاني كذلك له أثره على معادلة الدين أو الوطن أو كليهما.
عموما دعني أوضح لك الفكرة المقصودة من المقال ..
من مخرجات الفكر في فترة ماسمي"الصحوة" في مجمل تشكلاته افتراض التضاد المطلق بين الانتماء إلى الوطن وبين الانتماء إلى الدين والولاء له ..
وأصبح المقبل على الدين خاصة من الشباب المتحمس لا يحمل في قلبه أي انتماء إلى الوطن الذي يعيش فيه وتربى على أرضه وخضع لقيادته السياسية .. بل تطلعه دائم إلى الأمّة لا بمفهومها الإيماني الوجداني فهذا لا خلاف فيه، وإنّما بمفهومها السياسي الولائي ..
وهذا رسخته الجماعة الأم – كما تسمي نفسها- ، وهي الجماعة التي تحمل تناقضات وتشوهات فكرية علمية لا حدود لها .. هذا واحد من أخطرها ..
لأنّ هذا الذي ذكرناه من افتراض التناقض لم ينتج عنه فقط إهمال الولاء للوطن بمفهومه بل تجاوز إلى افتراض العداوة بين المتدين وبين مكونات الوطن السياسية والعسكرية بل وحتى المجتمع نفسه، بعد أن تم ترسيخ مفهوم جاهلية المجتمعات الإسلامية بإطلاق ..
الوطن .. وما أدراك ما الوطن ، أرض وسماء وهواء .. وشجر وحيوان ..
وقبل ذلك الإنسان ..
ملايين من البشر يعيشون على أرض تجمعهم وحدة سياسية اسمها الدولة ، يحكمها نظام ما ، بغض النظر عن اسمه أو نوعه أو حتّى ديانته .
قبل فترة كنت في أسير في أحد الطرق السريعة الحديثة في جنوب المملكة ، مئات الكيلومترات ..وعلى جانبي هذا الطريق تتناثر القرى والمدن الصغيرة التي وصلتها هذه الطرق الضخمة والفخمة، ووصلتها الكهرباء والمياه والاتصالات بأنواعها والمدارس والمستشفيات ..
وذهبت في تفكير عميق أحسب حجم التكلفة لهذا الذي أراه، كم بُذل فيه من الأموال والأعمار والمجهودات لسنوات طويلة تفوق الخمسين فيما عاصرته أنا دعك عمّا قبلي بعقود .. تُرى هل يدرك كل من غرّرت به هذه الجماعات كم هي قيمة هذه المنجزات ؟!
وأهمّ من هذا كله ما تعيشه الجموع والكتل البشرية الضخمة على هذه الأرض مِن أَمْن واستقرار .. وهدوء، ووفرة المأكل والمشرب، وسائر النعم ..
كلّ هذا الذي أراه ويراه غيري، لا يحسب له المنتمون للفكر المتأخون أي حساب ..
ويرون أنّه كله ليس لله، وأنّه ثمن زهيد لأجل إقامة مشروع الخلافة والأمة المزعوم على أيديهم ووفق تصوراتهم ..
وإذا عرفنا كم استغرق بناء هذه الدولة ومنشآتها ، فكم يا ترى يستغرق من الزمن هدم الأبنية وقطع الطرقات وكسر الجسور وفقدان الأمن والاستقرار وكل ما ذكرته ؟ أظن تجارب الدول حولنا كفيلة بالجواب ..
ليس بيننا وبين الخوف والجوع والتشريد إلاّ أن نستجيب لدعوات الثورة والكرامة والحقوق الدستورية المزعومة .. التي نعق بها الإخوان في كل منبر وباستعمال أصوات كثيرة بعضهم صريح الانتماء لهم وبعضهم من أربّائهم اللذين في حجورهم!
أعود مرة أخرى للوطن .. أحببتَ أم كرهتَ، فالوطن قيمة عظيمة جدا ..
الشريعة والسيرة يؤكدان ذلك .. لأنّ الدين والشريعة أصلاً لا يمكن أن يكون لهما وجود أو نماء أو كيان دون وطن ، ولهذا كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الاتجاه واضحا، البحث عن أرض، لا أقول ليطبق فيها الشريعة وحكم الله كما يفهمه المعاصرون ، وإنّما كان يبحث عن أرض تُضمن فيها حرية الدعوة دون مضايقة ..
عن ابن شهاب، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول:"لا أُكرِهُ أحدا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي وحتى يقضي الله عز وجل لي ولمن صحبني بما شاء الله".
ولا أريد التعمق في أهداف ومقاصد تأسيس الدولة لأن في هذا كلاما طويلا لا يحتمله المقام .
إنّما أردت بيان كم هو مهم أن يكون للمرء وطن مستقر آمن، حتى لو كان مقصوده إقامة دولة الخلافة في آخر الأمر، لا يمكن أن يتحقق هذا أصلاً دون وطن آمن مستقر ولولم يكن هذا الوطن إسلامياً شرعياً، فهو قيمة كبرى يجب أن يساهم ويسهم بكل ما أوتي في أمنه واستقراره، لأنّه إن كان داعية يريد نشر دين الله فلن يكون هذا إلا في بيئة الأمن والاستقرار ، ثمّ بعد ذلك يمكن أن تؤتي أيّ دعوة ثمارها ..
لذلك لا تعجب عندما تلتقي مصالح خصوم الإسلام مع هؤلاء الزاعمين نصره بهذا الفهم المنكوس، فقد رأينا كيف أعانت أمريكا ودول الغرب دعاة الثورة والفوضى ، ليس فقط لأجل نهب ثروات البلاد المستهدفة، بل الأعمق من ذلك، معرفتها أنّ المكاسب التي حققتها الدعوة عبر عقود على يد طلبة العلم والعلماء الكبار ومؤسسات الدول الإسلامية من هيئات ومدارس وجامعات، كل ذلك لن يمكن تدميره وإعاقته إلا بخلق الفوضى والدمار في تلك البلاد، وعلى يد من ؟ على يد من ينتسب للدعوة والجهاد والشريعة ! مفارقة مستعصية على الفهم السليم .
في بيئة الخوف والجوع لن يكون هناك وقت للتفكير في الدين أو التمسك أو تطوير الدعوة ونشرها .. بل على العكس تصبح هذه المجتمعات المدمرة بيئة خصبة لأفكار الإلحاد والشذوذ الناتجة أصلا عن مشاعر الخوف والقلق والتوتر بسبب حالة المجهولية التي تكتنف كل مناحي الحياة ..
ولهذا كان هم النّبيّ صلى الله عليه وسلم في مستهل دعوته سنوات طويلة هو إيجاد الوطن الآمن بغض النظر عن الدين أو هيمنة الدين عليه ، كما سبق في قول الزهري.
ومن هنا جاءت بيعة الأنصار له وبنودها هو الحماية والنصرة إن أوذي، وهذا قبل أن يُشرع الجهاد أو يصبح واجباً.
وعندما أوذي صلى الله عليه وسلم وأخرج من مكة لم يجعل ذلك سببا في تخريبها وإشاعة الفوضى بها حرقا وهدما أو قتلا وترويعاً وقد كان قادرا على هذا بمن معه من المؤمنين، فالوطن بمقدراته مكتسب إنساني مشترك محايد ليس عدواً للدعوة ولا الدين، وإنما يعيش عليه من يتجاذبون القوة والسلطة ، وليس من حق الضعيف المغلوب أن يجعل الوطن بمكوناته هدفا له لأنه لم يستطع أن يتغلب على المكون المعادي له ولو كان هو الأحق، فليس أحد أحق بالأرض منه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومع ذلك خرج مهاجرا من مكة وتركها لكفار قريش ولم يجعلها هدفا للانتقام والتخريب، ولم يأتها إلاّ فاتحا لما خوّله الله الأمر وملّكه زمامه وهيأ أسبابه.
وسأزيدك دليلين من واقع سيرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم تبين كم هي مهمة قيمة الوطن الآمن للداعية الصادق قبل كلّ أحد .
أولهما: صلح الحديبية
في الحديبية سار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بألف وأربعمئة تقريباً من أصحابه إلى مكة يريد العمرة، كانوا في قمة الشوق إلى مكة، وقد وعدهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبرهم بأنّهم سيعتمرون، وهو الصادق المصدوق، ولم يحمل الصحابة معهم إلاّ سلاح الراكب كما يقال ، أي أنّهم غير متوجهين لقتال أهل مكة ومن معهم من العرب، وكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد من ربه بالحق، وبالملائكة، لو أراد أن تكون ملحمة، لجعلها كذلك، لكن الذي حدث العكس، فمازال في الحديبية يستقبل موفدي قريش واحداً بعد آخر ويقول لأصحابه: «والذي نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلاّ أعطيتهم إياها» قال بعض أهل العلم: مقصوده بحرمات الله ترك القتال في الحرم، والجنوح إلى المسالمة، والكف عن إراقة الدماء، ولهذا ما إن جاء سهيل بن عمرو إلاّ وافقه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كلّ ما قال، حتى في تلك الشروط المجحفة، حتى قبل صلى الله عليه وسلم أن يمحو عن اسمه لقب الرسالة، وآثر الصلح الّذي كان ظاهره ضدّ مصلحة المسلمين، مما أثار حفيظة البعض كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومع ذلك فإنّ القرآن نزل مسمياً ذلك الصلح فتحاً، وهكذا كان حقاً وصدقاً، فتح لم تُرق فيه قطرة دم واحدة، كسبت فيه الدعوة الإسلامية مكاسب لا حصر لها، وتحققت لها أهداف عظيمة بلا قتال، لم يجعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الغيظ والرغبة في النيل من قريش مانعاً من التفاوض معها وإعطائها بعض ما تريد، لتحقيق مكاسب للدعوة في ظل أمن وأمان الجزيرة العربية بمن فيها.
ورجع إلى المدينة مظفراً، ولم يمر على الأمر سنوات معدودة إلاّ فتح الله له مكة، وعندما استتبّ له الأمر، وأصبح في إمكانه أن يشفي صدور المؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم تأمّل في حاله وحال الأمر الّذي أُرسل به، وعرف أنّ العفو يحقق له وللأمر الذي أُرسل به أكثر مما يحققه الانتقام، فقال لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فترك حظوظ النفس وأبطلها في سبيل الهدف الأسمى والأعلى، وهو أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً.. وهذا ما كان.
في أيّ موقف يمكن أن يتقي فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم القتال كان يتّقيه، رغم إنّه صلى الله عليه وسلم قائد الدولة السياسي وتحت إمرته الجيوش، ولم يأخذ الأمر بالعزة والأنفة ، أو بالعاطفة الروحية واستصحاب معية الملائكة ، وإنّما نظر نظرة مصلحية مقاصدية.
والآخر: حديث خباب
ففي حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه- عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: "والله ليُتِمّنّ اللهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله أو الذئب على غنمه".
هذا الحديث العجيب تحدث فيه الجميع وغرف كلّ متكلم ومتخصص منه في إنائه؛ إذ فيه إشارات عجيبة، وتربية جادة، وإصرار على النجاح، وبشارة من الله تعالى بنصر نبيه ومن معه، لكن أهمّ ما شدّني فيه هو الجزء الذي أوردته أعلاه، لا من حيث صدق نبوءته صلّى الله عليه وسلّم، ولا من حيث ثقته بالله، وإنّما من حيث إشارته القوية الّتي ربط فيها تمام الدين بنعمة الأمن.
لم يجعل غاية تمام الدين أن يصلي الناس في المساجد، ولا أن يكون الحكم والسلطان في أيدٍ إسلامية، ولا غير ذلك مما يسعى كثير من الدعاة أفراداً وجماعات إلى بلوغه وتحقيقه بأي ثمن، بل جعل ارتباط تمام الدين بوجود الأمن، الذي يبلغ فيه الأمر أن يسير المسافر مسافات شاسعة لا يخشى قاطع طريق، ولا لصاً، ولا حواجز أمنية، ولا غير ذلك من الظواهر التي تؤشر على فقدان الأمن.
ربما يربط البعض المسألة بأن التزام شرائع الدين سبب في الأمن، وأنا أقول: إنّ هذا المعنى وإن كان صحيحاً بلا مرية، لكن من المهم أن نأخذ العبرة مقلوبة، وهي أنّ أي عمل دعوي أو إصلاحي يؤدي إلى اختلال الأمن ونشر الخوف فإنّه عمل مدخول كلياً أو جزئياً؛ إذ هو يتناقض مع غاية عظمى إن لم تكن الأعظم من الدين والدعوة إليه.
الأمن نعمة يجب أن يحرص عليها الدعاة، حتى وإن كان المستفيد منها جميع الناس بمن فيهم الكفار، بل ولو افترضنا أنه سيستفيد منها دعاة إلى الباطل، أعني أنّ على الدعاة إلى الله بشتى أنواعهم أن يحرصوا على أي نظام يحقق الأمن بجوانبه المتعدّدة، وأن يتعاونوا على تحقيقه والمحافظة عليه، ولو مع من يتناقضون معهم ديناً أو فكراً أو فقهاً، ما دام هذا النظام يكفل ممارسة الشعائر الإسلامية وحرية تعليمه والدعوة إليه ولو في حدّه الأدنى؛ إذ لدينا يقين لا يتزعزع أنّ عناصر القوة في الإسلام هي حججه وبراهينه العقلية التي خاطب بها العقل البشري، وهذه الحجج والبراهين تسوق الناس إلى الدين سوقاً، وتأطرهم عليه أطراً إلاّ الشواذ منهم، وهذه الدعوة العقلية الشرعية تحتاج إلى جوّ من الطمأنينة والأمن لتعمل عملها، وأكبر مستفيد من حالة الأمن هي الدعوة الإسلامية؛ ففي حالة تكافؤ الفرص لا يوجد دعوة تحقق من المكاسب الشعبية والنخبوية مثلها، ولا يدانيها في ذلك أحد.
بل حتى مع فرض وجود حالة من الظلم السياسي أو غيره فإن الدعوة تسير سيرها وتقطف ثمارها، ولهذا نهت الشريعة عن المعارضات السياسية التي تؤدي إلى حمل السلاح أو زعزعة الأمن، وأمرت بالصبر على الظلم السياسي لا حفاظاً على كراسي الظلمة وتعاوناً مع الطغاة -كما يعبر البعض- وإنّما لما يؤدي إليه ذلك من إحداث حالة الفوضى والإخلال بالأمن، وهي حالة ترتكس الدعوة فيها إلى أدنى مستوياتها، فضلاً عما فيها من الفتنة والهرج.
النظام السياسي الذي يحكم بغير شرع الله؛ سواء كان مسلماً أم غير مسلم إذا كان يحقق الأمن، ويعطي الفرصة والحرية في ممارسة الدين والدعوة إليه لا يجوز اختراق أمنه أو زعزعته على يد ميليشيات الجماعات الجهادية – زعماً- حتى تحت مسمى الجهاد وفتح البلاد؛ فالدعوة الإسلامية قد تحقق من المكاسب في ظل مثل هذا النظام مثل ما يحققه السيف أو أكثر دون إراقة دم وضياع وقت وأموال غالية.
ولهذا لا عجب أن بلاداً كثيرة لم يضطر المسلمون إلى فتحها عسكرياً؛ إذ قبلت فيها الدعوة الإسلامية، حتى انتشر الإسلام فيها سلماً بلا قتال.
بعيدا عن خيالات المارقين من السنة والعلم الذين أضاعوا بلاد المسلمين وأدخلوها في نفق المجهول وجعلوها نهبة لكل سارق من الأعداء .
أولئك الذين يؤسسون مذاهبهم وتصوراتهم وفق الاستثناء وليس الأصل ، وفق العاطفة دون العقل، وبعيدا عن الفقه وحتى أصول العقيدة السلفية عقيدة أهل السنّة.
وإذا وقع التعارض بين مصلحة تحكيم الشريعة – مثلا- وبين مصلحة الحفاظ على الجماعة والدولة وهما مكوّن الوطن فالوطن أولاً.. لأنّه بلاه لا يكون دينٌ ولا شريعة اصلاً .
وإذا رجعت إلى دعوة النّبيّ صلى الله عليه وسلم سترى أنّه صلى الله عليه وسلم رغم كل المضايقات التي وجدها من قريش هو وأصحابه، لم يخرج أو يهاجر إلى لا شيء، بل مكث في مكة يقاسي ويتحمل ويصابر حتى هيأ الله له تعالى الوطن البديل، وكان ذلك بتدبير من الله تعالى ، وقد قال لهم مرة : "قد أُرِيتُ دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين"، وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : على رسلك، فإني أرجو أن يُؤذَن لي، قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم".
والذين هاجروا من أصحابه إلى الحبشة لم يهاجروا إلاّ عندما أشار لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بلد يحكمها ملك عادل يضمن لهم قيمة الأمن وحرية الحياة والدعوة.
وعندما خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال :"والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله عز وجل، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجت".
وهذا يعني أنّه كان يحب البقاء في مكة يمارس الدعوة في بيئة ومجتمع مشرك، تمارس فيه كل الموبقات ..ولم يكن همه إقامة الدولة الإسلامية وحكم الناس بشريعة الله ، وهي واحدة من صور تفاعل المؤمن مع الزمان والمكان والظرف، مشروعة غير منسوخة يفقهها من بصّره الله بشرعه ودينه، وأشار إليها محققوا أهل العلم حين قالوا إنّ حوادث السيرة لا ينسخ بعضها بعضا، ويرفضها من يريد الوصول إلى حالة الكمال بالقفز وطفرة النظّام !
والذي لبّس به رؤوس الضلالة على الناس خلطهم وتعاملهم مع النصوص والحوادث والوقائع النبوية وسيرة الصحابة كأنّها كلها نزلت في وقت واحد وفي ظرف واحد وفي مكان واحد، وكأنّه قالب لا يقبل التشكل والمرونة في التعامل مع المتغيّر الزماني والمكاني والبشري كذلك.
ومن قرأ سيرته صلى الله عليه وسلم ونصوصه عرف أنّ فيها الكثير والكثير من الاعتراف بالواقع والتعامل معه، لا إنكاره ومقاطعته ومن ثمّ منابذته ، والتعاملُ معه لا يعني بالضرورة -كما يتصورون- التنازل عن أحكام شرعية أو تغيير الدين ، وإنّما المراد هو الصبر والمصابرة ومكابدة هم الدعوة والمخالفين والمعرضين، مع الثبات على الدين وتحمل مسؤولية حمل الدعوة ولو مع إعراض وتنكّر المجتمعات، هذه هي سبيل الأنبياء التي ذكرها الله تعالى آمراً بها نبيّه صلى الله عليه وسلم: ( قل هذه سبيلي..)
كان من الواجب على العلماء والدعاة تعريف المؤمن سواء كان عالماً أو داعية أو مسلماً صالحا أنّه لا يعيش في دولة النبوة ولا الخلافة، إنه يعيش الآن في الدولة المدنية ، والنظام السياسي الدولي -وليس المحلي فقط -يختلف تماما عن الظروف والأنظمة التي نشأ فيها الإسلام أو حتى عاشت فيها الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء، وبالتالي قبول فكرة التعايش مع الظروف ومدافعة الباطل والمبطلين بالحكمة والموعظة الحسن والجدال بالتي هي أحسن، مع تنحية فكرة التغيير بالعنف أو القوة أو حتى خوض السياسة وغمارها .. لأنّها مفسدة لدين الناس ولأنّها مؤسسة على غير هدى ولا شريعة محكمة ..
ولذلك تلاحظ أنّ الداعية في البلاد الغربية ولو كان من عامة الناس يحقق مكاسب للدعوة وللإسلام أكثر ممل فعلته جماعات العنف والجهاد المزعوم.. وسرى الدين في مفاصل القارة الأوروبية وفرض نفسه في الواقع الغربي من خلال أولئك المواطنين المسلمين الذين انخرطوا في الحياة المدنية ولم ينسوا أن يكونوا دعاة بإيمانهم وأخلاقهم والتزامهم بالقانون واحترامهم للآخرين وأن مخالفيهم محل دعوة لا محل عداوة ومحاربة في الأساس.
فما بالك لو بذلت الجهود في بلاد مسلمة مؤسسة على الخير والدين في أساسها ؟
ولذلك رأينا كيف أنتجت الدعوة السلفية السليمة الموادعة والمتعاونة مع الأنظمة الحاكمة من الخير في المسلمين حتى هدمه الفكر الإخواني وفروعه بهمجيتهم ودمويتهم وتطلعاتهم للحكم والمال والسيطرة، ما مكّن الغرب منهم ومن استخدامهم معاول هدم لتدمير بلاد المسلمين، وإسلامها لأعدائها لنهب خيراتها وإبقائها دهورا تحت نير الاقتتال والاحتراب الذي لا أمد له ولا نهاية.
غياب هذا المعنى وفقد هذه القيمة هي الّتي حولت أتباع الجماعات في كل بلاد إلى قنابل موقوتة وعزلتهم عن محيطهم ومجتمعاتهم، وأصبحت تلك المجاميع تنتمي إلى الخارج سياسيا وعسكريا، وتحيك المؤامرات وتتربص بالدول التي تعيش فيها، بدلا من المشاركة والتعايش والدعوة بالحسنى، وهذا الذي جعل المسلمين محل انتقام واستهداف ومحاربة من كل نظام يتواجدون فيه، ولا أبرّئ أعداء الإسلام بطبيعة الحال من جرائمهم في حق المسلمين، لكن لهذا مجال آخر، وغرضي هنا الحديث عمّا يخصنا من الأخطاء وتصحيحها.
ولهذا حرصت دول الغرب على إبراز هؤلاء ليكونوا حجة لهم في تشريع القوانين التي تسوّغ لهم منع الشعائر الإسلامية ومحاربة التمدد الإسلامي السلمي .
وهذا فعلوه في كل بلاد عاشوا فيها لا أقول بلاد الكفار، بل بلاد المسلمين التي لا يعترفون بإسلام أنظمتها، ويرونها هدفاً مشروعا لمشاريع الفوضى والاستحواذ والتخريب.
وكل هذه الأوطان والبلاد بما فيها من خيرات ونهضة بنيت وتبنى وينفق فيها وعليها أعمار الأجيال وأموالهم لا تساوي عندهم شيئا في سبيل إقامة الخلافة ومشروع الأمّة الواحدة التي يدينون لها بالولاء رغم أنّها خيال ووهم يعشعش في مخيلاتهم، يرتزق منه وبه رموز الجماعات والأحزاب ومن يطوف بهم من كتاب ومفكرين بل حتى سياسيين واقتصاديين، على حساب مئات الألوف من شباب المسلمين وملايين من الشعوب المسكينة التي يلقى بها في أتون الفوضى والحروب لتظل ماكنة المال والمكاسب مستمرة.
الوطنية لا تعني بالضرورة مفهوم الوثنية الّذي حاول الفلاسفة الغربيون استبداله بالدين إذ نزعوه نزعا من نفس الإنسان الغربي ، ليكون الولاء له بدلا عن الكنيسة والمسيح والملك.
هذا المفهوم مرفوض قطعا، وليس شرطا أصلا في الانتماء للوطن السياسي الذي ينتسب كل مسلم له، الوطنية بمفهومها الشرعي عقد وعهد اجتماعي شرعي أقرب لمفهوم الجماعة التي جاءت في حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن الفرقة الناجية وعرّفها بأنّها "الجماعة"، وفسرت في أحد الأقوال واشهرها بجماعة المسلمين المبايعين لإمام واحد، أي البقاء فيها والتمسك بعهدها والدفاع عنها والولاء لها، والسمع والطاعة للنظام الّذي يحكم البلد في غير معصية الله طبعا، والصبر على ما ينال العبد في هذه البلدان من ظلم أو حيف أو تقصير مهما كان مؤلما، لأنّ كل هذا لا يساوي شيئا في جنب فقد الأوطان والتشرد في بقاع الأرض حيث يفقد المرء بفقد وطنه كلّ شيء حتى دينه الذي اعتقد يوما أنّ وطنه ثمن بخس له.
وهذا لا علاقة له بالولاء لله ورسوله ولدينه، وليس معارضاً أو منافياً له بالضرورة كما يتصور البعض حتى جعل بعضهم الوطنية من نواقض التوحيد والإيمان، هكذا بإطلاق !
والحق أنّ الوطنية ككثير من المفاهيم قد اعتورها التمدّد وتداخلت مع مفاهيم أخرى، فلا يجوز استخدام المعاني الباطلة الّتي يمكن أن يشير إليها المصطلح، في إبطال وإلغاء المعاني والقيم الصحيحة.
وهذا ما فعله المبطلون سواء من غلاة العلمانيين الّذين استخدموا المفهوم وسوّقوه بقوة لا إيمانا به بل نكاية في المتدينين ولأجل محاصرة الدعاة إلى الله والعلماء الشرعيين الذين يقفون في وجه المد العلماني في بلاد المسلمين.
بدليل أنّ غالب مدعي الوطنية من العلمانيين ونحوهم معروف تاريخهم وانتماءاتهم لمذاهب فكرية لا تعترف بالوطن كالماركسية والشيوعية وغيرها .
ويقابلهم غلاة الإسلاميين الذين سوّقوا المعنى الباطل للوطنية لضرب فكرة المواطنة من أساسها وزرع ولاءات في نفوس الناشئة لصالح جماعاتهم وأحزابهم التي ترفع شعارات إسلامية وفي حقيقتها لا تعدوا كونها مشاريع سياسية بحتة وكلها مرتهن أو مرهون لصالح قوى أجنبية دولية أو اتجاهات أممية .
ونحن بعيدا عن أهل الغلو والإجحاف نقرر أهمية الوطنية والمواطنة بمفهومها الصحيح الذي هو جزء من حاجة الإنسان الطبيعية التي لا يُتصور بقاؤه وعيشه بدونها، شأنها شأن الطعام والشراب بل أولى وأهم .
وهو الانتماء وصدق الولاء للأرض التي ينتمي إليها سياسيا سواء كان ذلك بالنشأة دون اختيار أو بناء على اختياره لأنّه في الحالين عقد والله يأمر بالوفاء بالعقود.
وهو من هذه الحيثية محايد لا يعارض في أصله وأساسه مفهوم الولاء لله ورسوله ودينه .
وإذا حدث ثم تعارض بين الولاءات فكلّ صورة لها حكمها الخاص، كأيّ انتماء آخر ، فقد يكون التعارض بين الولاء لله وبين الولاء للوالدين أو العشيرة أو الأسرة أو المؤسسة التي أعمل فيها أو غير ذلك، فكل صورة وموقف له حكمه الخاص وتفسيره الشرعي وتكييفه الفقهي، الذي يبنى عليه موقف المسلم من حدث ما، دون أن يكون ذلك ناقضا للمعنى برمّته والتنكّر له كله.
فالصحابة مثلا لما تعارض عندهم الولاء الإيماني مع القتال والمشاركة فيه إبان خلاف علي ومعاوية رضي الله عنهما تباينت مواقفهم فاعتزل غالب الصحابة ذلك القتال ولم يروه مانعا ومعارضا لأصل البيعة والولاء للجماعة وإمامها.
وهكذا الانتماء للكيان السياسي بأرضه ونظامه وقادته لا يعبر بالضرورة عن ولاء مناف لدين المرء، فإن فرضت حالة أو صورة حدث فيها الصدام بين الولاءات فلكل صورة حكمها دون افتراض التناقض بالمطلق .
الخلط بين الهجرة وبين تخريب الأوطان
وبعض الناس اختلطت عليه مفاهيم الهجرة الشرعية وهي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام أو من أرض لا يمكن فيها إقامة شرائع الدين إلى أرض يمكن فيها ذلك سواء كان الأمر خاصا بالفرد نفسه أو بكل مسلم .
ومع أنّ افتراض بلد مسلم لا يمكن إقامة دين المرء فيه ليس متصورا إلاّ في فهم أصحاب الاختصار الذي اشرت إليه سابقا، فيجعل عدم قدرته على العمل في بيئة غير مختلطة مثلا مسوغا للزعم أنّه لا يستطيع إقامة فرائض الدين ، أو يجعل منع الحجاب في المدارس كذلك، أو يجعل حظر العمل الدعوي الجماعي كذلك، وهذه الصور ليست مسوغة لهذا الزعم إذا أقيمت منارات الإسلام الكبرى وهي الأركان الخمسة وحرية العقيدة .
ومع ذلك أرجع فأقول سأفترض أنّ نظاما حاكما حارب الدين وشعائره بما يسوّغ الهجرة من البلاد، فهل يسوّغ هذا تخريب البلاد ؟ وإحداث الفوضى والخراب بالمنازعة المسلحة والعنف ، وتشتيت مقدرات الدولة على مواجهة الفوضى وترك التنمية ..
إذا عزّ على المؤمن العيش في بلد وسوّغت له الحال الهجرة من بلده فهذا لا يجعل الوطن ساحة جهاد مشروع يتم فيه تكوين المجموعات المسلحة وإحداث الفوضى أو العنف أو قتال العسكر أو الارتهان إلى أعداء خارجيين يوظفونه للكيد لبلاده ووطنه الذي يعيش فيه ملايين من المسلمين الذين ليسوا بالضرورة موافقين على مقاصده وطريقته في التفكير والحل، والتفكير نيابة عنهم واتخاذ قرار الحرب والعصيان والتمرد هو افتئات لا يجوز ولو تأيّد ذلك بفتاوى علماء الفتنة الذين يتنعمون في كنف دول الفتنة ويصدرون للجماهير المسكينة فتاوى الثورات وأحلامها ليفسدوا عليهم دنياهم وآخرتهم .
والله المستعان.
Powered by Froala Editor