الموقع الرسمي للدكتور أحمد بن صالح الزهرانى

أين ذهبت خطب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ؟

أمر مهم يغفل عنه كثير من المنتسبين للعلم فضلاً عن غيرهم فضلاً عن جَهَلة النُّخَب الذين يسأل بعضهم باستمرار : اين ذهبت خطب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ؟ على اعتبار أنّه عاش في المدينة عشر سنوات يخطب بهم الجمعة فأقلّ ما يتحصّل عندنا أكثر من خمسمئة خطبة .

فأقول وبالله التوفيق : هذا السائل لا يعلم كيفية ورود النص النبوي من جهة، و لايعرف هَدْيه صلى الله عليه وسلّم في خطبته من جهة أخرى.

أما الأولى: فعلى خلاف ما يتصور البعض أنه صلى الله عليه وسلّم كان يعقد مجالس التحديث ويُلْقي فيها السنن على الصحابة وهم يستمعون كالتلاميذ، فهذا تصوّر خاطئ لم يحدث منه صلى الله عليه وسلّم إلاّ في النادر، وإنما كانت السنن المنقولة عنه صلى الله عليه وسلّم عبارة عن معالجاته اليومية للأحوال التي يعيشها المجتمع المسلم، والذي كان طيلة فترة حياته صلى الله عليه وسلّم يتلقّى التربية والتعليم في وضع تطبيقي عملي.

فكان النصّ يصدر منه صلى الله عليه وسلّم إما جواباً على سؤال يسأله أحدهم ، وإما أن يقع أمامه موقف فيكون سببا لتعليقه صلى الله عليه وسلّم إما تصحيحا للخطأ، وإمّا تأييداً للصواب، وإما زيادة إيضاح وتفصيل للإشكال.

ولهذا تجد التفاوت الكبير بين الصحابة في نقل السنن ، فتجد هذا يروي ما لا يرويه غيره ، بل ينفرد أحياناً بما لم يسمعه غيره ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ذكره في محفل صغير أو بينه وبينه فقط.

كما انفرد المغيرة بحديث المسح على الخفين، وانفردت أم سلمة بحديث الإمساك عن الشعر لمريد الأضحية، وانفرد عبدالرحمن بن عوف بحديث الوباء، وانفرد قوم من أشجع بحديث المفوضة لأنّه كان في حق بروع بنت ‌واشق وهي منهم ، وغير ذلك كثير يعرفه أهل العلم بالحديث، ولا أعني بالانفراد هنا المطلق وإنما خفاءه على جلّ النّاس.

ومن الواضح البيّن أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم لم تكن عادته أن يخطب الجمعة بأحكام وتشريعات جديدة، للسبب الذي ذكرتُه، وهو أنّ الوحي كان ينزل أو يصدر عنه صلى الله عليه وسلّم  في المواقف الحياتية، وهذا يكون أوعى للناس وأكثر ثباتاً من حديثٍ يُلقى بدون سبب ، يدلّ على ذلك حديث حذيفة قال: «قام ‌فينا ‌رسول ‌الله صلى الله عليه وسلّم  مقاماً ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدّث به. ‌حفظه من ‌حفظه، ونسيه من ‌نسيه، قد عَلِمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه» فأين هذا الحديث الآن ؟ لا يذكر أحد منه شيئااً إلاّ النزر اليسير.

وإذا ضممنا هذا إلى مسألة مهمة جدا وهو أنّ خطَب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم  لم تكن طويلة كما يفعل الخطباء اليوم ! ولم تكن عبارة عن أحكام وتفصيلات لأحكام شرعية وغيرها كما يحدث اليوم ، إنّما كانت تذكيراً مختصرا لأصول الإسلام ، أي أنّها كانت وعظاً مكرراً يذكّر فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم  بأصول الإسلام الّتي لم يعُد فيها جديد ينقله الصحابة ، وما خرَج عن هذا نقلوه ، كحديث الأعرابي الذي استسقى بدعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلّم  يوم الجمعة .

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلّم  في قصر الخطبة يوم الجمعة، قال أبو وائل:خطبنا عمار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبْلَغت وأوجزت، فلو كنت تنفّست! فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم   يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، ‌مئنة ‌من ‌فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» 

ولنعتبر بخُطَبِه الطويلة كخطبة عرفة وخطبة حجة الوداع ماذا نُقل منها ؟ إنما نقلوا منها ماكان جديداً من حُكم أو خبر وهو لا يتجاوز نصف صفحة لو كتب.

ونقلت لنا لمحة عن خطب العيد كما صح عن جابر بن عبد الله، قال:شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم  الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكأ على ‌بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى، حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال «‌تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم» فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم؟ يا رسول الله! قال «لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن ‌العشير»، فانظر وصف جابر لخطبته صلى الله عليه وسلّم  بأنّها وعْظٌ وتذكير لا جديد فيه فينقل ، ولما جاء إلى النساء وذكر فيه جديداً يستحقّ النقل نقله وهو أنّ النساء أكثر أهل النار وسبب ذلك.

ومع هذا فكم من حديث لعلّه صلى الله عليه وسلّم  قاله على المنبر ولم يذكر الصحابي حين نقله ذلك أو أغفله التابعي الراوي عنه إذا رأى أنّ ذلك لا عبرة به في فهم النص أو مضمونه، فليس شرطاً أن يقول الراوي في كل حديث الحال التي ذكر فيها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم  الحديث، وإلاّ فإن نسبة كبيرة جداً من نصوص النّبيّ صلى الله عليه وسلّم  ذُكرت هكذا روايةً دون ذكر القصة أو السياق الذي وردت فيه، وفي هذا نشأ علم سبب ورود الحديث كما جاء سبب نزول الآيات.

وعلى هذا مضى أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم  ، فأين خطب أبي بكر ؟ وأين خطب عمر؟ وعثمان وعلي ؟ السبب أنّها كما قلتُ لك ليست درورساً علمية كما يحسب البعض، وليست شروحاً للشريعة ، كانت وعظاً وتذكيراً مكرراً لأصول الدّين منقولاً في القرآن والسنة مراراً فلم، يكن هناك ما يدعو أفْقه وأعلم الخلق بالشريعة والفقه في الدّين بأن يهتموا بنقل أنّه كان في وقت كذا وفي حال كذا ، وهذا من فِقههم رضي الله عنهم وحسن صنيعهم.

وأما إذا كان السياق مهماً والحادثة مما تتوافر الهمم لنقلها فكانت تُنقل ، وقد نقل لنا كثير من السياقات التي وردت فيها النصوص.

وهذا معلومٌ لأهل العلم بالسنة ، ولكنه مجهول لكثير من صغار الطلبة وعوام المسلمين فضلاً عن زنادقة يغبّشون على الناس ويلبسون عليهم دينهم بمثل هذه السؤالات ، والله المستعان.


Powered by Froala Editor