الموقع الرسمي للدكتور أحمد بن صالح الزهرانى

ثمانية مجازفات في سبع وأربعين ثانية !

حمّل المقال في ملف (pdf) من هنا *

الحمدلله وكفى ، والصلاة والسلام على نبيّه المصطفى . وبعد :

رأيت مقطعا يتحدث عن وضع اليدين في الصلاة على الصدر، في سبع وأربعين ثانية فقط، فيه ثماني مجازفات :

الأولى : قال :«وضع اليدين على الصدر مكروه لا شك فيه»

قلت: لو قال :"لاشك فيه عندي" سلّمنا له فلكل أحد قطعياته بحسب ما مُتّع به من النظر وسعة الفهم ، وأما أنه لا شك فيه على سبيل العموم فنقول: سبحان الله، أين هذا من عرض العلماء الفقهاء حقاً وصدقاً، الذين يقررون الخلاف ويقولون :"هذا أصح" و"هذا أرجح" و"هذا أولى" ؟

كيف والقائلون بخلاف قوله أئمة العلم والسنة والدين ويكفي من عاصَرهم هو وهم أئمة الدنيا الثلاثة : الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين ؟

أما العلامة الألباني ففي كتابه صفة الصلاة بحث كافٍ لمن أنعم الله عليه بالعقل والفقه للقناعة أنّ القول بوضع اليدين على الصدر إن لم يكن أرجح فليس بأضعف من القول بوضعهما تحت السرة .

وأما الشيخ ابن باز رحمه الله : فيقول حين سئل عن المسألة :«السنة وضعهما على الصدر؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث وائل، ومن حديث قبيصة بن هلب الطائي عن أبيه: «أنه كان يضعهما على صدره عليه الصلاة والسلام » وثبت مرسلا من طريق طاوس بن كيسان التابعي الجليل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤيد المرفوع، وبعض أهل العلم يرى وضعهما على السرة، وبعضهم يرى وضعهما تحت السرة، والحديث في هذا ضعيف تحت السرة والأفضل فوق الصدر، هذا هو الأفضل؛ لأن الأحاديث فيها أصح، والأمر في هذا واسع كله سنة».

وأما العلامة الفقيه ابن عثيمين فيقول في شرح الزاد: «قوله: «تحت سرته» يعني يجعل اليدَ اليمنى واليسرى تحت السُّرَّة. وهذه الصفة ـ أعني: وَضْع اليدين تحت السُّرَّة ـ هي المشروعة على المشهور مِن المذهب، وفيها حديث علي رضي الله عنه أنه قال: «مِن السُّنَّةِ وَضْعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى تحت السُّرَّةِ».وذهب بعضُ العلماء: إلى أنه يضعها فوق السُّرة، ونصَّ الإِمام أحمد على ذلك.

وذهب آخرون مِن أهل العِلم: إلى أنه يضعهما على الصَّدرِ، وهذا هو أقرب الأقوال، والوارد في ذلك فيه مقال، لكن حديث سهل بن سعد الذي في البخاري ظاهرُه يؤيِّد أنَّ الوَضْعَ يكون على الصَّدرِ، وأمثل الأحاديث الواردة على ما فيها من مقال حديث وائل بن حُجْر أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «كان يضعُهما على صدرِه».

فانظر البون بين هؤلاء وبين ذاك القاطع بما لا يصح فضلا عن أن يكون قاضيا على غيره!

الثانية : قال:« والدليل على كراهته أنّ الحديث الذي ورد أن النبي صل الله عليه وسلم كان يضع يمناه على يساره على صدره أنكره الأئمة كأحمد غيره» .

قلت: الكراهة لا تثبت بهذه الطريقة، فلا يقال إن الكراهة دليلها أن الحديث الوارد ضعيف، لأنّها إن لم يصح الحديث ستدخل في عموم آخر يجعل هذا الوضع بدعة أو خلاف السنة مثلا أو مشروعة، أما تعليل الكراهة بعدم ثبوت الحديث الذي وردت فيه فهو تعبير ركيك.

والقائلون بالكراهة من الفقهاء- وهم قلة- كرهوه لأنهم يصححون أو يعملون بأثر علي ، وهو يجعل وضعها تحت السرة من السنة ، فخلافها يكون مكروها. هكذا يعبرون لا كما قال صاحب المقطع.

الثالثة: قال: « أنكره الأئمة كأحمد غيره» .

قلت: يعني زيادة «على صدره» في حديث وائل بن حجر :« صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ووضع يده اليمنى على يده اليسرى ‌على ‌صدره ».

لاحظ سعة العبارة : "أنكره الأئمّة كأحمد وغيره"، أما أحمد فنعم قال: « روى هذا الحديث عبد اللَّه بن الوليد عن سفيان، لم يذكر ذلك، ورواه شعبة وعبد الواحد، لم يذكرا خلاف سفيان»، وهذا إنكار منه للرواية .

وأما كلمة "الأئمّة" فمن هم الأئمّة غير الإمام أحمد الذين أنكروا هذه الزيادة ؟ زدنا واحدا أو اثنين ! وإن كانوا ثلاثة أو أربعة فهل يصح إطلاق "الأئمة" أم الصواب : "بعضهم "؟

 الرابعة : قال: «وعلى فرض تسليم صحة الحديث وقبوله فنقول: إن المراد بالصدر هنا ما قابل الظهر وليس المراد بالصدر. ما قابل البطن» .

قلت: هنا يظهر لك الإصرار على رد السنة أو القول الآخر أيا كان، فقد فسر الصدر تفسيرا عجيبا بأنه ما قابل الظهر ، لأنك إما أن تقسم جهة الأمام من الإنسان فتقول صدر وبطن ، وإما تقسم جهتيه فتقول : صدر وظهر أي أمام وخلف، فهو يرى أنّ الصدر في الحديث -لو صح- هو قسيم الظهر، فوقع في شرّ مما فر منه، فإذا فسرنا الصدر بقسيم الظهر فهذا يشمل الصدر والبطن، فلم ينفعه التحريف .

مع أنّ اللغة والعرف لا تعرف الصدر إلاّ أعلى واجهة الإنسان أي القفص الصدري ابتداء من أسفل النحر وحتى ما فوق السرة.

في تاج العروس: «الصدر: ‌أعلى ‌مقدم ‌كل ‌شيء ‌وأوّله ...وكل ما واجهك صَدْر، ومنه صدر الإنسان»، وقد قال تعالى: ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فأين محل القلب من الصدر ؟ هل هو فوق السرة.

وأنت إذا رأيت شخصا يضع يديه على سرته متألما هل تقول له : « يؤلمك بطنك ؟» أم تقول : «يؤلمك صدرك؟»، وإذا قيل إن فلاناً طعن فلاناً في صدره هل يعنون به على سرته ؟

وقد بحثت في المعاجم عن أي شيء يسند هذا المعنى الذي ذكره فلم أجد.

ويبدو أنّ المقلّدة يشاكل بعضهم بعضا، فقد سمعت شخصاً آخر أيضاً يتهكّم على طلبة العلم الذين يضعون أيديهم على صدورهم، والمصيبة أنه يجزم أنّ السلف لم يصحّح أحد منهم أثراً في ذلك ، وأنه لا قائل بوضعهما على الصدر من السلف ! 

وادّعى دعوى تضحك الثكلى إذ أراد أن يوفق بين لفظ الصدر وما يقلّده هو فقال إنّ الصدر يبدأ من أول الأضلاع في الجانبين؟! فهل سمعتم بشيء كهذا من قبل ؟

ولا يدري هذا الدّعيّ أنّ الصدر لا يطلق إلاّ على واجهة الإنسان، فلا يقال لمن ضربك على أضلاعك من الخلف إنه ضربك على صدرك ، وما أشار إليه المتحذلق هو خاصرة الإنسان وجنباه ولا يُسمى صدراّ لغة ولا عرفاً، والصدر يبدأ من فوق السرة ظهوراً للأعلى بحيث لا تمسها الكفان بل تنزل السرة من تحت اليدين وكلما صعد إلى الأعلى كان أقرب للنص ، إلى ما دون النحر ، فكل هذا صدرٌ لغة وعرفاً.

 الخامسة: قال: «فيكون المراد بالصدر أي ما دون الصدر»

قلت: عجيب هذا جدا من أمره، فهل كان الصحابي عييا حتى يعبر بالصدر عمّا ليس منه؟ فيقول قائل : يراد بالبطن بما تحت البطن، ويراد بالركبة ما تحت الركبة، ويراد بالرقبة ما تحت الرقبة ! 

ثم إذا كان هو يصحح أثر علي -الذي ضعفه الأئمة حقا – فلماذا يسوّغ وضعها على السرة أو دون الصدر ؟ الواجب أن يكون الموضع تحت السرة فحسب! الجواب: أنه يعرف الآثار عن السلف -ومنهم الإمام أحمد نفسه- التي يصححون فيها أن يكون الوضع فوق السرة أو على الصدر .

 السادسة: قال: «ولذلك وردت عن السلف كراهية وضع اليدين على الصدر». 

قلت: هذه الدعاوى العريضة لا تصدر عن طالب علم يحترم من يتحدث إليهم، فالسلف الذي يدعي أنّهم كرهوا وضع اليدين على الصدر من هم ؟ أكُلّهم ؟ أم بعضهم؟ كيف ينسب القول إلى السلف مستغرقا إياهم بهذه اللفظة وقد نُقل الخلاف عن بعضهم ، أما إن كان يقصد بالسلف فقهاء المذهب فعلى السنة السلام.

قال الشوكاني: « ووضع اليدين تحت السرة وفوقها متساويان؛ لأن كلا منهما مروي عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: أخرج أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة عن علي : السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة.

في " سفر السعادة ": وضع الكف تحت الصدر في " صحيح ابن خزيمة ".

قال الترمذي: رأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم؛ كما ذكرناه سابقا.

وقال الشيخ ابن الهمام: " ولم يثبت حديث صحيح يوجب العمل في كون الوضع تحت الصدر، وفي كونه تحت السرة، والمعهود من الحنفية هو كونه تحت السرة، وعن الشافعية تحت الصدر، وعند أحمد قولان كالمذهبين، والتحقيق المساواة بينهما؛ كما ذكرنا سابقا، والله - تعالى - أعلم بأحكامه ". انتهى» هكذا يسوق العلماء المسألة بمافيها من خلاف، يذكرون الصدر ويذكرون فوق السرة ويذكرون تحت السرة ويقولون: الأمر واسع لا كراهة فيه.

السابعة : قال: «قالوا: بأن الذي يصلي وقد وضع يديه على صدره هي صلاة اليهود».

قلت: لم أجد في كل المصادر التي تطالها يدي مطبوعة أوإلكترونية أنّ أحدا من الذين كرهوا وضع اليدين على الصدر علّلوا ذلك بأنّها صلاة اليهود ، فلا أدري من أين يستقي فضيلته هذه المعلومات، والذي ورد أنها صلاة اليهود هو الاختصار أي وضع اليد على الخاصرتين ويسمى التصليب.

والذي ورد في قبض الشمال باليمين مطلقاً أنّها من سمات الأنبياء ، كما في مصنف ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: «من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة»، وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة»، وهذا على سبيل الثناء لا الذم، مع أنّ كلاهما ضعيف لا يصح، وقد ورد  عن مجاهد، أنه كان يكره أن يضع اليمنى على الشمال، يقول: «على كفه، أو على الرسغ»، ويقول: «فوق ذلك» ويقول أهل الكتاب: يفعلونه.

ولهذا ذكر هذه السنة الغزي في "التنبه" وذكر أن القبض على الشمال من سنن الأنبياء التي يستحب التشبه بهم فيها، بغض النظر عن الموضع ، لكن قال :« ومنها: قبض كف اليسرى أو رسغها باليد اليمنى من غير أن يقبض من الساعد شيئًا، فقد روى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى: أن أهل الكتاب يفعلونه .

واعلم أن وضع اليد اليمنى على اليسرى سنة، بل روى ابن أبي شيبَة عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أخلاق النبيين وضع اليمنى على الشمال؛ يعني: في الصلاة.وتقدَّم مرفوعاً.

وروى ابن أبي شيبة عن الحسن رحمه الله تعالى - مرسلًا - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كأَني أنظُرُ إِلَى أَخبارِ بَني إِسْرائِيلَ واضِعِي أَيْمانِهمْ عَلَى شَمائِلِهِمْ في الصَّلاةِ".

وفيه إيماء إلى أن غير الأحبار منهم كانوا يتركون هذا الأدب، أو أنه إنما كان مخصوصاً بالأحبار.

ولمَّا كان هذا من فعل الأنبياء والصَّالحين تعيّن أن لا يترك العمل به؛ فاستحبه أبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم.

واختار مالك رضي الله عنه إرسال اليدين، ولعله فرَّ من موافقة اليهود في أصل وضع اليمين على الشمال.

وغيره من الأئمة نظروا إلى ما تقدَّم، ثمَّ تحرَّوا هيئة يخالفون فيها اليهود.

ومذهبنا أن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى -وهو العظم الذي على الإبهام - وبعض ساعدها، باسطاً أصابع اليمنى في عرض مفصل اليسرى، أو ناشرًا لها صوب الساعد».

فأنت ترى أن محل التشبه الذي قاله مجاهد – على فرض صحّته- هو طريقة أخذ الشمال باليمين لا في محل وضعهما .

ثم رأيت الطحاوي في أحكام القرآن أشار إلى هذا فقال مرجحاً أثر عليّ على خبر وائل : «ولما كان الذي رواه وائل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق أفعال أهل الكتابين في صلاتهم، والذي رويناه، عن علي، وأبي هريرة، مما لا يكون مأخوذاً عن غير النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك كان أولى مما روى وائل، لأن الذي كان على النبي صلى الله عليه وسلم اتباع شريعة من كان قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم حتى يحدث الله عز وجل له شريعة ما تنسخ ذلك، فصححنا الروايتين جميعا، فجعلنا ما روى وائل بن حجر من ذلك متقدما، وما روي عن علي، وأبي هريرة في ذلك متأخرا ناسخا لما كان قبله» وكلامه عن الترجيح لا عن كون الوضع على الصدر صلاة اليهود ، مع أنّ الروايات التي اعتمد عليها كلها لا تصح أصلاً.

وأما استدلال البعض بقول ابن القيم : «قال في رواية المزني: "أسفل السرة بقليل ويكره أن يجعلهما على الصدر " وذلك لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن ‌التكفير وهو وضع اليد على الصدر».

فقد قال الألباني رحمه الله: «وأما ما جاء في كتاب «بدائع الفوائد» لابن القيم «3/ 91»: قال - يعني: الإمام أحمد - في رواية المزني: ‌ويكره أن يجعلهما على الصدر.

وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن التكفير. وهو وضع اليد على الصدر. اهـ.

فإنه استدلال عجيب! فإن الحديث - إن صح - ليس فيه النهي عن التكفير في ‌الصلاة، وليس كل ما كان منهياً عنه خارج ‌الصلاة يكون منهياً عنه فيها؛ بل قد يكون العكس؛ فقد أمرنا - مثلاً - بالقيام فيها لله تعالى، ونهينا عنه خارجها لغيره سبحانه وتعالى، فلا يبعد أن يكون الحديث كناية عن النهي عن الخضوع لغير الله تعالى، كما يُخضَع له تعالى بوضع ‌اليدين ‌على ‌الصدر في ‌الصلاة، فيكون عليه الصلاة والسلام نهى عن هذا الوضع لغير الله تعالى؛ لما فيه من الخضوع وتعظيم غير الله تعالى».

وعلى أيّ حال فرض فهل في هذا أنّ السلف الذين نسب إليهم الكراهة عللوا بذلك ؟ 

الثامنة : قال:« فالسنة أن يكون دون الصدر وأكمل السنة أن يكون تحت السرة».

قلت: الله المستعان ، وهكذا يظهر أن التحقيق غير مراد أصلاً، وإنّما هي مناسبة لإنكار سنة أحياها أئمة العصر ، أغاظت مقلّدة المذاهب، ولو كان هذا وأمثاله يريدون العلم وبسط المسائل لعرضوها كما يعرضها العلماء بخلاف من خالف فيها ونسبة الأقوال لأصحابها ثم ليرجّحوا ما شاؤوا فإنّ لأهل العلم نظراً في ترجيحهم .

لكنهم يلجؤون إلى الدعاوى العريضة كمثل (باتفاق) (بالإجماع) (بلا خلاف)(بلاشك)(قطعا) (السّلف) (الأئمة) ونحو هذا حتى يغبّشوا السامع ويتهيب طرح قولهم الضعيف، وهم يعرفون أنّ نسبة القول لابن باز وللألباني وابن عثيمين – فضلاً عمن سلف- يحرجهم ويضع عنهم عباءة فضفاضة لبسوها .

والخلاصة أنّه هو ومن معه إما أن يصححوا حديث علي فيلزمهم القول بكراهة وضع اليدين على السرة أو فوقها تحت الصدر كما يزعمون، وإمّا أن لايصحّحوه فيلزم أنّه لا تحديد في مكان الوضع من الصدر وفوق السرة وتحت السرة ، ويكون أمر واسعاً كما قال المحققون حقاً وصدقاً .

وقولهم هذا فيه اتهام لهؤلاء الأئمة بالبدعة ، لأنّهم يقولون إنّ الأثر أصلا ضعيف لم يصححه أحد من السلف، وهذا يعني أنّ الشيخ ابن باز والألباني وابن عثيمين خالفوا إجماع السلّف، وهذا يعني بدعيّة ما قرروه ، لا مفر لهم من هذا بناء على تقعيدهم ودعواهم انفراد من قال بوضعها على الصدر وأنه لا سلف لهم في تصحيح الخبر ولا العمل به ! يا للباقعة !

وأما إطلاق دعاوى الإجماع، والاتفاق، والجمهرة، التي لا خُطُم لها عندهم ولا أزمّة فهي لا تسمن عند أهل السنة والحديث ولا تغني من جوع، كما قال ابن القيم : « وحين نشأت هذه الطريقة – يعني طريقة مقلدة المذاهب- تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلّدين إذا احتج عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلاف الإجماع.

وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه، وكذبوا من ادعاه؛ فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغنا.

وقال في رواية المروزي: كيف يجوز للرجل أن يقول: " أجمعوا؟ " إذا سمعتهم يقولون: " أجمعوا " فاتّهِمْهُم»، صدق الإمام رحمه الله فهم أهل للتّهمة.

وقد رأيت لهذا الرجل مقاطع أخرى لنفس المسألة فيها كذلك دعاوى ، ورأيت له مقطعاً عن الاستخلاف في الصلاة فإذا فيه كذلك أغاليط ومجازفة ، فالله المستعان، ونصيحتي لطلبة العلم بالذات أن لا يغتروا بالدعاوى والألفاظ القوية وادّعاء الإجماع والاتّفاق ، بل عليهم أن يراجعوا خلف هؤلاء المحدَثين الذين ملؤوا "اليوتيوب" وغيره بمثل هذه الطريقة، وهي طريقة تصنع مقلّدةً بُلَهاء لا طلبة علم أقوياء ، والله أعلم وأحكم، ولا حول ولا قوة إلاّ به.

أ.د/ أحمد الزهراني

في 4/9/1446هـ


Powered by Froala Editor